الحارث المحاسبي
4
آداب النفوس ( ويليه كتاب الوهم )
الصحة الشرعية . أي أن تحديد إرادة القلب بالعمل يجب أن ينطلق من الإيمان بالوحدانية التي هي صميم الإسلام وصلبه وعموده ، وأن الثنائية في الإرادة كما ظهرت من استفتاء الرجل لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم هي صورة الشرك الثيرة ، يتعدى خطرها إلى نفس العقيدة ، فما الشرك إلا الوجه الصريح للرياء ، وما الرياء إلا هدم لأصل الإيمان باللّه الواحد الأحد . ولقد أدرك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أن علة الرياء في القلب ودوافعه إنما هي طلب عزة المال والجاه في الدنيا ، فقرر أن التمكين في الأرض ، ورفعة الشأن والعزة ، أمور مضمونة لهذه الأمة ، ومضمون دوامها إذا انطلقت أعمالها من نبع الوحدانية في العقيدة وفي مقاصد الأعمال ، ويروي في هذا الصدد أبي بن كعب عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قوله : « بشر هذه الأمة بالثناء والرفعة في الدين . والتمكين في الأرض ، والنصر ، فمن عمل عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب » . ويؤكد هذا المعنى قول اللّه تعالى : وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً . وما الإرادة إلا عمل قلبي خالص يمكن أن يواكب عمل الجوارح يوجهه نحو الحق أو نحو الضلال . وقد أكد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم صفة الدوام لعمل القلب في رواية أبي داود عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص فقال : « إن قاتلت صابرا محتسبا بعثك اللّه صابرا محتسبا ، وإن قاتلت مرائيا مكاثرا بعثك اللّه مرائيا مكاثرا » . فالشرك إذن لا يقتصر على عبادة الوثن أو البشر مع اللّه ، وإنما ذاك شرك الظواهر ، وهناك شرك السرائر الذي أشار إليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في رواية محمود بن لبيد رواها عنه ابن خزيمة وابن ماجة والبيهقي بألفاظ متقاربة إذ قال : « أيها الناس . . إياكم وشرك السرائر . قالوا : يا رسول اللّه ، وما شرك السرائر ؟ قال : يقوم الرجل فيصلي ، فيزين صلاته جاهدا لما يرى من نظر الناس إليه ، فذلك شرك السرائر » . ورغم ما قال بعض العلماء : من أن شرك الرياء في العمل لا في العقيدة ، فإننا نرى أن شرك الرياء ينتهي إلى العجب بالأعمال ، والعجب يدمر العقيدة من أساسها إذ يرى المعجب بعمله المنة منه في العمل ، واستقلاله به عن عون اللّه تعالى مما يجعل شرك الرياء ذريعة مباشرة لشرك العقيدة ، ألا ترى أن المرائي الممعن في الرياء يصل إلى حال تنعدم فيها عنده مشاعر العقيدة ووازعها ، فلا يخضع إلا لهوى نفسه ؟ وعابد الهوى أحط من الحيوان الأعجم كما قال تعالى : أَ رَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَ فَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا . أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا . ولم يغفل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الصورة المثلى للمؤمن المخلص البريء من النفاق والرياء